مرتضى الزبيدي
348
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
الأرض ويقول : يا ليتني كنت هذه التبنة ! ويقول الآخر : ليتني كنت طيرا أؤكل ! ويقول الآخر : ليتني لم أك شيئا مذكورا ! كل ذلك خوفا من خطر العاقبة ، فكانوا يرون أنفسهم أسوأ حالا من الطير ومن التراب . ومهما أطال فكره في الخطر الذي هو بصدده زال بالكلية كبره ، ورأى نفسه كأنه شر الخلق . ومثاله : مثال عبد أمره سيده بأمور فشرع فيها ، فترك بعضها وأدخل النقصان في بعضها وشك في بعضها أنه هل أداها على ما يرتضيه سيده أم لا ؟ فأخبر مخبر أن سيده أرسل إليه رسولا يخرجه من كل ما هو فيه عريانا ذليلا ويلقيه على بابه في الحر والشمس زمانا طويلا ، حتى إذا ضاق عليه الأمر وبلغ به المجهود أمر برفع حسابه وفتش عن جميع أعماله قليلها وكثيرها ثم أمر به إلى سجن ضيق وعذاب دائم لا يروح عنه ساعة ، وقد علم أن سيده قد فعل بطوائف من عبيده مثل ذلك وعفا عن بعضهم وهو لا يدري من أي الفريقين يكون ؟ فإذا تفكر في ذلك انكسرت نفسه وذل وبطل عزه وكبره وظهر حزنه وخوفه ولم يتكبر على أحد من الخلق ، بل تواضع رجاء أن يكون هو من شفعائه عند نزول العذاب ، فكذلك العالم إذا تفكر فيما ضيعه من أوامر ربه بجنايات